مجمع البحوث الاسلامية

289

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أعمالنا هي البذور ، والإمكانات الإلهيّة هي المطر لهذه المزرعة - إلى أن قال - يستفاد منها أنّ الدّنيا والآخرة تحتاجان إلى السّعي ، ولا يمكن نيلهما بدون تعب وأذى . . . » . فنرى أنّهم جميعا معجبون بلفظ « الحرث » فيها ، وحريصون على تصويره تصويرا رائعا . 4 - واهتماما بذلك فقد كرّر « الحرث » فيها ثلاث مرّات : مرّتين في حرث الآخرة بتكرار لفظه مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ تفضيلا لها على الدّنيا ، ومرّة في حرث الدّنيا بلفظه ومرّة بضميره وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها . 5 - جاء في كلّ منهما : مَنْ كانَ يُرِيدُ بدل « من عمل عملهما » ونحوه ، تعميما لكلّ عامل بلفظ ( من ) ، وإعلاما باشتراط استمرار العمل فيهما بلفظ ( كان ) الدّالّ على دوام العمل في الماضي ، فلا تعمّ كلّ عمل ، ولا كلّ عامل ، وباشتراط الإرادة والقصد والنّيّة في عملهما بلفظ ( يريد ) ، فلا تعمّ الأعمال غير المقصودة ، سواء أعمال الآخرة أو الدّنيا . وفيه إشعار بالجدّ والسّعي ، كما قال : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى النّجم : 39 ، 40 ، وبأنّ الأعمال تتميّز حسنا وقبحا بالنّيّات ، كما قال النّبيّ عليه السّلام : « إنّما الأعمال بالنّيّات » . وقد أكّد العرفاء وأهل السّلوك في تعاليمهم « الإرادة » واصطلحوا إطلاق « المريد » على السّالك الصّادق أخذا ، من مثل : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً الإسراء : 19 ، لاحظ « رود : أراد » . 6 - قالوا في نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، فضاعف أجره عشرا إلى سبعمئة وأزيد ، استنادا إلى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها الأنعام : 160 ، و كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ البقرة : 261 ، فحملوا « الحرث » فيها على ثواب الأعمال ، مع أنّ الحرث في أوّلها وآخرها نفس الأعمال ، كما سبق . وحمله القشيريّ على الأعمال الحسنة في الدّنيا وثوابها في الآخرة ، فقال : « نزده اليوم في الطّاعات توفيقا ، وفي المعارف وصفاء الحالات تحقيقا ، ونزده في الآخرة ثوابا واقترابا وفنون نجاة وصنوف درجات » . وهذا موافق لمعنى « الحرث » في أوّلها وآخرها ، فإنّ « الحرث » أطلق على العمل بما ينتجه من الثّواب والعقاب ، فيعمّ الدّنيا والآخرة . ولا يبعد عنه قول الزّمخشريّ : « من عمل للآخرة وفّق في عمله وضوعفت حسناته » . وقد حكى الفخر الرّازيّ الوجهين ، أي الأعمال وثوابهما ، وأيّدهما بحديث ، من دون ترجيح . وذكر القرطبيّ ثلاثة وجوه : الأعمال ، وثوابها ، ومجموعهما ، وأضاف : وقيل : الآية في الغزو ، أي من أراد بغزوه الآخرة أوتي الثّواب ، ومن أراد بغزوه الغنيمة أوتي منها . ونقول : إنّ الآية بعمومها تشمل الغزو ، ولكنّها لا تخصّه ، لأنّها مكّيّة ، والغزو خاصّ بالمدينة . 7 - استفاد الفخر الرّازيّ منها وجوها من الفرق بين من أراد الآخرة ومن أراد الدّنيا :